ابن بسام

383

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

كأنّ بعينيه إذا ما أدارها * حساما صقيلا والعذار حمائله قال أبو عبد اللّه الصقلي : فلم أزل أتكرّر على أبي عليّ وألاطفه حتى أطلعني على سرائره مع ذلك الغلام ، فو اللّه ما اطّلعت له معه على ما يحاسب به من قبيح فعل ولا مذمومه ، وكنت في خلال ذلك أختلف إلى ذلك الغلام الجوهريّ ، فجلست يوما إليه فجعلت أذكر له بعض ما ذكر لي أبو علي ، فرأيته قد تغير لونه ، وأطرق ساعة ، ثم أخذ سحاءة فكتب فيها : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، كتمان السرّ حلية القلب ، فإن أزاله بقي عاطلا » ثم طواها ودفعها إليّ وقال : قد أودعت / السحاءة لفظا موجزا [ 174 ] ومعنى محرزا ، فإذا وردت على أبي عليّ فأعلمه أنّ المحبّ إذا كتم رحم ، وإذا نشر [ فضح ] فلا يعد بعد هذا إلى إفشاء سرّي ، فإن نمّ بحبّي انتهيت عن زيارته والإلمام به ، وعوّضته من لذّته بفيض الدموع ، وطول الخضوع ، حتى لا يجرع كأسا إلّا مشوبا ، ولا يزرّ [ 1 ] ثوبا إلا خضلا بعبرة مقلته ، وأنا أقسم بحاجته إليّ ، وإدمانه بالبوح عليّ ، ألّا أخلي صدره من زفرة ، ولا ضلوعه من جمرة ، ولا جفونه من عبرة ، فجئت أبا عليّ ، فدفعت إليه السحاءة وقرأها ، وأخبرته كلامه ، فشهق شهقة توهمت أن ضلوعه تقضقضت ، وقال لي : أبهذا القسم أقسم ؟ قلت : نعم ، قال لي : أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهّم أنه كلامه ؟ قلت : بحياتك إلّا ما فعلت ، فقال [ 2 ] : لم باح باسمي بعد ما كتم الهوى * زمنا وكان صيانتي أولى به فلأ [ منعنّ ] جفونه طيب الكرى * ولأمزجنّ دموعه بشرابه وحياة حاجته إليّ وفقره * لأواصلنّ عذابه بعذابه قال أبو عبد اللّه : ثم استنشدته من شعره فيه فأنشدني عدة مقطوعات ، منها قوله [ 3 ] : وفاتر الألحاظ في وجنة * كأنّها في الحسن ورد الرياض قلت له يا ظبي خذ مهجتي * داو بها تلك الجفون المراض فجاوبت من خدّه خجلة * كيف ترى الحمرة فوق البياض

--> [ 1 ] ص : يبرز . [ 2 ] الديوان : 40 . [ 3 ] الديوان : 96 ، والشريشي 5 : 230 .